أحمد بن محمد القسطلاني

333

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

فأخبرته ( فقال ) موسى : ( راجع ربك ) ولابن عساكر فقال ذلك أي راجع ربك ففعلت أي فرجعت فراجعت ربي فوضع شطرها فرجعت إلى موسى فأخبرته بذلك فقال : راجع ربك ( فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعت ربي ، فقال ) جل وعلا : ( هي خمس ) بحسب الفعل ( وهي خمسون ) بحسب الثواب { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } [ الأنعام : 160 ] ( لا يبدل القول لدي ) يحتمل أن يراد أني ساويت بين الخمس والخمسين في الثواب ، وهذا القول غير مبدل أو جعلت الخمسين خمسًا ولا تبديل فيه ، وإنما وقعت المراجعة للعلم بأن ذلك غير واجب قطعًا لأن ما كان واجبًا قطعًا لا يقبل التخفيف أو الفرض خمسين . ثم نسخها بخمس رحمة لهذه الأمة المحمدية . واستشكل بأنه نسخ قبل البلاغ . وأجيب : بأنه نسخ بعده بالنسبة إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فرجعت إلى موسى فقال : راجع ربك . فقلت : قد استحييت من ربي ) أن أراجعه بعد قوله تعالى : لا يبدل القول لدي ( ثم انطلق ) جبريل ( حتى أتى السدرة المنتهى ) وفي نسخة إلى السدرة المنتهى ، ولابن عساكر : حتى أتى بي سدرة المنتهى ، ولأبي ذر : بي السدرة المنتهى وهي في أعلى السماوات وسميت بالمنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا نبينا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فغشيها ألوان لا أدري ما هي ) هو كقوله تعالى : { إذ يغشى السدرة ما يغشى } [ النجم : 16 ] فالإبهام للتفخيم والتهويل وإن كان معلومًا ( ثم أدخلت ) ولأبي ذر : ثم أدخلت الجنة ( فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ ) بفتح الجيم والنون بعدها ألف فموحدة مكسورة فذال معجمة جمع جنبذة وهي القبة ( وإذا ترابها المسك ) . رائحة . واستنبط من هذا الحديث فوائد كثيرة يأتي إن شاء الله تعالى في سورة هود الإِلمام بشيء منها في بابه بعون الله تعالى ، وقد مرّ الحديث أوّل الصلاة . 6 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } [ هود : 50 ] وَقَوْلِهِ : { إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ } - إِلَى قَوْلِهِ - { كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ } [ الأحقاف : 21 ] فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ وَسُلَيْمَانَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ } [ الحاقة : 6 ] شَدِيدَةٍ : { عَاتِيَةٍ } . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : عَتَتْ عَلَى الْخُزَّانِ : { سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا } مُتَتَابِعَةً { فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } : أُصُولُهَا . { فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ } : بَقِيَّةٍ ( باب قول الله تعالى ) في سورة هود ( { وإلى عاد أخاهم هودًا } ) [ الأعراف : 65 ] عطف على قوله : { لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه } [ الأعراف : 59 ] كقولك : ضرب زيد عمرًا وبكر خالدًا وليس هو من باب ما فصل فيه بين حرف العطف والمعطوف بالجار والمجرور نحو ضربت زيدًا وفي السوق عمرًا فيجيء الخلاف المشهور ، وقيل بل هو على إضمار فعل أي : وأرسلنا هودًا وهذا أوفق لطول الفصل وهودًا بدل أو عطف بيان لأخيهم ، وكان هود أخاهم في النسب لا في الدين لأنه كان من قبيلة عاد وهم قبيلة من العرب بناحية اليمن كما يقال للرجل : يا أخا تميم ، والمراد رجل منهم وهو هود بن تارخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ( { قال يا قوم اعبدوا الله } ) [ هود : 50 ] أي وحدوه وسقط قوله قال يا قوم الخ . . . لأبي ذر . ( وقوله ) بالجر عطفًا على المجرور السابق ( { إذ أنذر قومه بالأحقاف } ) [ الأحقاف : 21 ] جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج وكان قوم هود يسكنون بين رمال مشرفة على البحر بالشحر من اليمن ، وكانوا كثيرًا ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام كما قال تعالى : { ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد } [ الفجر : 6 - 7 ] وهي عاد الأولى وأما عاد الثانية فمتأخرة وأما عاد الأولى : فمنهم { عاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد } [ الفجر : 6 - 7 - 8 ] أي مثل قبيلته ، وقيل مثل العمد ، ومن زعم أن إرم مدينة تدور في الأرض فقد أبعد النجعة وقال ما لا دليل عليه ولا برهان يعول عليه ( إلى قوله : { كذلك نجزي القوم المجرمين } ) [ الأحقاف : 25 ] تخويف لكفار مكة أي ما سبق من قصتهم حكمنا فيمن كذب رسلنا وخالف أمرنا . ( فيه ) أي في هذا الباب ( عن عطاء ) هو ابن أبي رباح فيما وصله المؤلّف في باب ما جاء في قوله تعالى : { هو الذي أرسل الرياح } [ الفرقان : 48 ] ( و ) عن ( سليمان ) بن يسار فيما وصله أيضًا في سورة الأحقاف كلاهما ( عن عائشة ) - رضي الله عنها - ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ولفظ الأولى كان إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر وفي آخره ولا أدري لعله كما قال قوم : { فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم } [ الأحقاف : 24 ] الآية . وفي الثانية قالت : ما رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضاحكًا حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم قالت : وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عرف في وجهه ؛ الحديث . ( وقول الله عز وجل ) بالجر عطفًا على السابق ولغير أبي ذر وابن عساكر باب قول الله